صبحي الصالح

24

مباحث في علوم القرآن

ومنه الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء ، كما في قوله عن زكريا « فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا » « 1 » ، والمعروف في تفسيرها أن زكريا أشار إليهم إشارة وحيّة سريعة ولم يتكلم . ومنه الإيماء بالجوارح ، وعليه قول الشاعر : نظرت إليها نظرة فتحيرت * دقائق فكري في بديع صفاتها فأوحى إليها الطرف أني أحبها * فأثّر ذاك الوحي في وجناتها « 2 » وعبر القرآن بالوحي عن وسواس الشيطان وتزيينه خواطر الشر للإنسان ، فقال : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » « 3 » ، وقال : « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » « 4 » مثلما عبّر بالوحي أيضا عما يلقيه اللّه إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم ، كقوله : « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا » « 5 » . أما تعبيره بالوحي عما يكلف اللّه الملك حمله إلى النبي من آيات كتبه المنزلة فهو شديد الصلة بتعبيره بالوحي إلى النبي نفسه ؛ وما بين مدلولي التعبير من اختلاف لا يعدو الوظيفة التي يتحملها ملك الوحي بالنقل الأمين ، ويتحملها النبي بالوعي والحفظ والتبليغ . من ذلك قوله تعالى : « فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » « 6 » : إذ المراد أن اللّه أوحى إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين ، ما أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين ، ومدلول الوحي إذن في هذه الآية كمدلول التنزيل الصريح في الآية الأخرى في قوله : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ » « 7 » .

--> ( 1 ) مريم 11 . ( 2 ) قارن بمفردات الراغب الأصفهاني . ( 3 ) الأنعام 112 . ( 4 ) الأنعام 121 . ( 5 ) الأنفال 12 . ( 6 ) النجم 10 . ( 7 ) الشعراء 192 - 195 .